العريش سات

العريش سات

منتدى ترفيهى ثقافى


    القُرآنُ الكريمُ في مواجهِةِ الجاهليَّة

    شاطر
    zoro1
    zoro1

    ذكر عدد المساهمات : 108
    تاريخ التسجيل : 14/10/2010

    القُرآنُ الكريمُ في مواجهِةِ الجاهليَّة

    مُساهمة من طرف zoro1 في السبت أكتوبر 23, 2010 11:51 am


    القُرآنُ الكريمُ في مواجهِةِ الجاهليَّة


    جمع وإعداد

    الباحث في القرآن والسنة

    علي بن نايف الشحود


    حقوق الطبع لكل مسلم

    الطبعة الأولى

    1431 هـ - 2010 مـ


    بسم الله الرحمن الرحيم


    الحمد لله رب العالمين،والصلاة والسلام على سيد الأنبياء والمرسلين،وعلى آله وصحبه أجمعين،ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين .

    أما بعد :

    فإنَّ الناس قبل الإسلام كانوا يعيشون في جاهلية جهلاء ،وأجمل وصف لذلك ما جاء عن أُمِّ سَلَمَةَ ابْنَةِ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ،زَوْجِ النَّبِيِّ - r - ،قَالَتْ:لَمَّا نَزَلْنَا أَرْضَ الْحَبَشَةِ،جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ،النَّجَاشِيَّ،أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا،وَعَبَدْنَا اللَّهَ لاَ نُؤْذَى،وَلاَ نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ،فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا،ائْتَمَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ،وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا مِمَّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ،وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَيْهِ الأَدَمُ،فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا،وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلاَّ أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً،ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ مَعَ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيِّ،وعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ،وَأَمَرُوهُمَا أَمْرَهُمْ،وَقَالُوا لَهُمَا:ادْفَعُوا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ،قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمُوا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ،ثُمَّ قَدِّمُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ،ثُمَّ سَلُوهُ أَنْ يُسْلِمَهُمِ إلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ،قَالَتْ:فَخَرَجَا فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ،وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ،وَعِنْدَ خَيْرِ جَارٍ،فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إِلاَّ دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ،ثُمَّ قَالاَ لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ:إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِ الْمَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ،فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ،وَجَاؤُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لاَ نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتُمْ،وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَى الْمَلِكِ فِيهِمِ أشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِنَرُدَّهُمِ إلَيْهِمْ،فَإِذَا كَلَّمْنَا الْمَلِكَ فِيهِمْ،فَتُشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسْلِمَهُمِ إلَيْنَا وَلاَ يُكَلِّمَهُمْ،فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا،وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ،فَقَالُوا لَهُمَا:نَعَمْ،ثُمَّ إِنَّهُمَا قَرَّبَا هَدَايَاهُمِ إلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا،ثُمَّ كَلَّمَاهُ،فَقَالا لَهُ:أَيُّهَا الْمَلِكُ،إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ،فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ،وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ ،وَجَاؤُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لاَ نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتَ،وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمِ أشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ،وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ،لِتَرُدَّهُمِ إلَيْهِمْ،فَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا،وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ .قَالَتْ:وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ،وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلامَهُمْ،فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ:صَدَقُوا أَيُّهَا الْمَلِكُ،قَوْمُهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا،وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ،فَأَسْلِمْهُمِ إلَيْهِمَا،فَلْيَرُدَّاهُمِ إلَى بِلادِهِمْ وَقَوْمِهِمْ،قَالَت:فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ،ثُمَّ قَالَ:فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ،ثُمَّ قَالَ:لاَ هَا اللهِ،ايْمُ اللهِ إِذَنْ لاَ أُسْلِمُهُمْ إِلَيْهِمَا،وَلاَ أُكَادُ قَوْمًا جَاوَرُونِي،وَنَزَلُوا بِلادِي،وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ مَاذَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ،فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولانِ أَسْلَمْتُهُمِ الَيْهِمَا وَرَدَدْتُهُمِ الَى قَوْمِهِمْ،وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا،وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي .قَالَتْ:ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - r - ،فَدَعَاهُمْ فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا،ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ:مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ ؟ قَالُوا:نَقُولُ وَاللَّهِ مَا عَلَّمَنَا،وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا - r - ،كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ .فَلَمَّا جَاؤُوهُ،وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ،فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ،سَأَلَهُمْ فَقَالَ:مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ،وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي وَلاَ فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الأُمَمِ ؟ قَالَتْ:فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ،فَقَالَ لَهُ:أَيُّهَا الْمَلِكُ،كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الأَصْنَامَ،وَنَأْكُلُ الْمَيْتَةَ وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ،وَنَقْطَعُ الأَرْحَامَ،وَنُسِيءُ الْجِوَارَ يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ،فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولاً مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ،وَصِدْقَهُ،وَأَمَانَتَهُ،وَعَفَافَهُ،فَدَعَانَا إِلَى اللهِ لِنُوَحِّدَهُ،وَنَعْبُدَهُ،وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ وَالأَوْثَانِ،وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الْحَدِيثِ،وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ،وَصِلَةِ الرَّحِمِ،وَحُسْنِ الْجِوَارِ ،وَالْكَفِّ عَنِ الْمَحَارِمِ،وَالدِّمَاءِ،وَنَهَانَا عَنِ الْفَوَاحِشِ،وَقَوْلِ الزُّورِ،وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ،وَقَذْفِ الْمُحْصَنَةِ،وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا،وَأَمَرَنَا بِالصَّلاةِ،وَالزَّكَاةِ،وَالصِّيَامِ،قَالَ:فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الإِِسْلامِ،فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ،فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ،فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا،وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا،وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا،فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا،فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الأَوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللهِ،وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الخَبَائِثِ،فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا،وَشَقُّوا عَلَيْنَا،وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ دِينِنَا،خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ،وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ،وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ،وَرَجَوْنَا أَنْ لاَ نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ.... "

    وما جاء عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِىِّ - r - أَخْبَرَتْهُ أَنَّ النِّكَاحَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَنْحَاءٍ فَنِكَاحٌ مِنْهَا نِكَاحُ النَّاسِ الْيَوْمَ،يَخْطُبُ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ وَلِيَّتَهُ أَوِ ابْنَتَهُ،فَيُصْدِقُهَا ثُمَّ يَنْكِحُهَا،وَنِكَاحٌ آخَرُ كَانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لاِمْرَأَتِهِ إِذَا طَهُرَتْ مِنْ طَمْثِهَا أَرْسِلِى إِلَى فُلاَنٍ فَاسْتَبْضِعِى مِنْهُ .وَيَعْتَزِلُهَا زَوْجُهَا،وَلاَ يَمَسُّهَا أَبَدًا،حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَمْلُهَا مِنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِى تَسْتَبْضِعُ مِنْهُ،فَإِذَا تَبَيَّنَ حَمْلُهَا أَصَابَهَا زَوْجُهَا إِذَا أَحَبَّ،وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ رَغْبَةً فِى نَجَابَةِ الْوَلَدِ،فَكَانَ هَذَا النِّكَاحُ نِكَاحَ الاِسْتِبْضَاعِ،وَنِكَاحٌ آخَرُ يَجْتَمِعُ الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ كُلُّهُمْ يُصِيبُهَا .فَإِذَا حَمَلَتْ وَوَضَعَتْ،وَمَرَّ عَلَيْهَا لَيَالِىَ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا،أَرْسَلَتْ إِلَيْهِمْ فَلَمْ يَسْتَطِعْ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يَمْتَنِعَ حَتَّى يَجْتَمِعُوا عِنْدَهَا تَقُولُ لَهُمْ قَدْ عَرَفْتُمُ الَّذِى كَانَ مِنْ أَمْرِكُمْ،وَقَدْ وَلَدْتُ فَهُوَ ابْنُكَ يَا فُلاَنُ .تُسَمِّى مَنْ أَحَبَّتْ بِاسْمِهِ،فَيَلْحَقُ بِهِ وَلَدُهَا،لاَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَمْتَنِعَ بِهِ الرَّجُلُ .وَنِكَاحُ الرَّابِعِ يَجْتَمِعُ النَّاسُ الْكَثِيرُ فَيَدْخُلُونَ عَلَى الْمَرْأَةِ لاَ تَمْتَنِعُ مِمَّنْ جَاءَهَا وَهُنَّ الْبَغَايَا كُنَّ يَنْصِبْنَ عَلَى أَبْوَابِهِنَّ رَايَاتٍ تَكُونُ عَلَمًا فَمَنْ أَرَادَهُنَّ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ،فَإِذَا حَمَلَتْ إِحْدَاهُنَّ وَوَضَعَتْ حَمْلَهَا جُمِعُوا لَهَا وَدَعَوْا لَهُمُ الْقَافَةَ ثُمَّ أَلْحَقُوا وَلَدَهَا بِالَّذِى يَرَوْنَ فَالْتَاطَ بِهِ،وَدُعِىَ ابْنَهُ لاَ يَمْتَنِعُ مِنْ ذَلِكَ،فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّدٌ - r - بِالْحَقِّ هَدَمَ نِكَاحَ الْجَاهِلِيَّةِ كُلَّهُ،إِلاَّ نِكَاحَ النَّاسِ الْيَوْمَ ."

    لقد كان القرن السادس والسابع (لميلاد المسيح) من أحط أدوار التاريخ بلا خلاف،فكانت الإنسانية متدلية منحدرة منذ قرون،وما على وجه الأرض قوة تمسك بيدها وتمنعها من التردي،فقد زادتها الأيام سرعة في هبوطها وشدة في إسفافها،وكأنَّ الإنسان في هذا القرن قد نسي خالقه،فنسي نفسه ومصيره،وفقد رشده،وقوة التمييز بين الخير والشر،والحسن والقبيح.

    وقد خفتت دعوة الأنبياء من زمن،والمصابيح التي أوقدوها قد انطفأت من العواصف التي هبت بعدهم أو بقيت،ونورها ضعيف ضئيل لا ينير إلا بعض القلوب فضلاً عن البيوت فضلاً عن البلاد،وقد انسحب رجال الدين من ميدان الحياة،ولاذوا إلى الأديرة والكنائس والخلوات،فراراً بدينهم من الفتن وضناً بأنفسهم،أو رغبة إلى الدعة والسكوت،وفراراً من تكاليف الحياة وجدها،أو فشلاً في كفاح الدين والسياسة والروح والمادة،ومن بقي منهم في تيار الحياة اصطلح مع الملوك وأهل الدنيا،وعاونهم على إثمهم وعدوانهم،وأكل أموال الناس بالباطل ...على حساب الضعفاء والمحكومين .وإن الإنسانية لا تشقى بتحول الحكم والسلطان والرفاهية والنعيم من فرد إلى فرد آخر من جنسه،أو من جماعة إلى جماعة أخرى مثلها في الجور والاستبداد وحكم الإنسان للإنسان،وإن هذا الكون لا يتفجع ولا يتألم فقط بانحطاط أمة أدركها الهرم وسرى فيها الوهن،وسقوط دولة تآكلت جذورها وتفككت أوصالها،بل بالعكس تقتضي ذلك سنَّة الكون،وإن دموع الإنسان لأعز من أن تفيض كل يوم على ملك راحل وسلطان زائل،وإنه لفي غنىً،وإنه لفي شغل عن أن يندب من لم يعمل يوماً لإسعاده،ولم يكدح ساعة لصالحه،وإنَّ السماء والأرض لتقسوان كثيراً على هذه الحوادث التي تقع ووقعت كل يوم ووقعت ألوف المرات { كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ{25} وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ{26} وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ{27} كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ{28} فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ } سورة الدخان.

    بل إن كثيراً من هؤلاء السلاطين والأمم كانوا كَلاً على ظهر الأرض،وويلاً للنوع الإنساني وعذاباً للأمم الصغيرة والضعيفة،ومنبع الفساد والمرض في جسم المجتمع البشري،يسري منه السم في أعصابه وعروقه،ويتعدى المرض إلى الجسم السليم فكان لا بد من عملية جراحية،وكان قطع هذا الجزء السقيم وإبعاده من الجسم السليم مظهراً كبيراً لربوبية رب العالمين ورحمته،يستوجب الحمد والامتنان من جميع أعضاء الأسرة الإنسانية،بل من جميع أفراد الكون { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44)فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (45) } [الأنعام: 44-45]

    ولذلك عندما نزل القرآن الكريم،فقد غيَّر معالم الجاهلية كلها وتصوراتها وقيمها،وأخرج أهلها من الظلمات إلى النور،والجاهليةُ تشملُ جميع التصورات والأوضاع والقيم وما ينبثق عنها من سلوك وتصرفات قد استمدت من غير الإسلام،قال تعالى:{أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) } [المائدة: 50]

    والجاهليةُ هي الجاهلية سواء أكانت قديمة أم حديثة،فلا علاقة لها بقدم أو حداثة .

    والإسلامُ لا يمكن أن يلتقي مع الجاهلية على أي صعيد .

    والذين يحاولون الجمع بين الإسلام والجاهلية ،لم يعرفوا الإسلام ولا الجاهلية حقًّا .

    ومن ثم فلا يجوز التعويل على هؤلاء ولا على جمعهم المزعوم،لأنه لا وجود له على أرض الواقع .

    فإما الإسلام بكل قيمه وتصوراته وتشريعاته المنزلة من عند الله تعالى،وإما الجاهلية والتي تستمد قيمها وتصوراتها من القيم الأرضية الهابطة،القاصرة،المتغيرة،العفنة،النتنة .....

    وفي هذا الكتاب توضيح لهذه الحقيقة،قال تعالى:{ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)} [الجاثية: 18، 19]

    جمعهُ وأعدَّهُ

    الباحث في القرآن والسنة

    علي بن نايف الشحود


      الوقت/التاريخ الآن هو الخميس يناير 24, 2019 8:07 am